“بموجبه”… يا حضرة المدعي العام

كتب بشارة شربل في “نداء الوطن“:  

 

لم يكن القضاء موحداً ليقال ان خطوة القاضي طارق البيطار بالعودة الفاعلة الى ملف “تفجير 4 آب” بدَّدت شمله وفرَّقت دماءه بين قبائل لبنان.
والأفضل ألَّا يتباكى أحدٌ على ما آل اليه قصر العدل. أردناه ملجأنا الأخير رغم الثغرات والإرث “العضومي” المشين، فتحوَّل جزءاً من الانقسام السياسي والأهلي حين فضَّل بعض القضاة السلامة والغنيمة، أو الالتحاق بأولياء أمورهم، متماهين مع نهج “الإفلات من العقاب” ومجتهدين في تبرير كلّ تعسف إزاء محقق عدلي همُّه كشف جريمة العصر، وواجبه يفرض عليه الالتصاق بقضيته وعدم الرضوخ للضغوطات.
لن نعلِّق على الموقف المخزي لوزير العدل ضدّ استرجاع المحقّق العدلي سلطته المسلوبة بالكيدية والتهديد وتعريض السلم الأهلي للأخطار، ولا غرابة أن يتهمه بـ”خرق سرية التحقيق”. فالوزير هنري خوري غير مؤهل ليقول أفضل ممّا قال، إذ إن سيّد “العهد القوي” الذي اختاره هو أول من يجب اتهامهم بالتقصير لعلمه بوجود النيترات وتبريره فشله كرئيس وجنرال بتدارك الكارثة بأنه C’était trop tard.
أكثر ما يُدهش ويدعو الى الاستنكار ليس اعتراض أطراف “المنظومة” التي دمَّرت البلاد، بل لجوء مدعي عام التمييز الى آيات القرآن والإنجيل للرد على ادعاء القاضي العدلي عليه، ولاستنتاج أن البيطار مكفوف اليد وقراراته الأخيرة منعدمة الوجود. واستناد غسان عويدات الى مرجعيتهما يتضمن إخلالاً فادحاً بالأصول لأننا في ظل قانون وضعي مدني يحكم القضاة “بموجبه” باسم الشعب اللبناني ولسنا خاضعين للكتب الدينية لا في النص ولا في الاجتهاد.
لو شاوَر القاضي عويدات نفسه وعِلمه بعض الشيء لأدرك خطل الاستشهاد بآيات في غير الموقع الصحيح. وفي الواقع لم نفهم من نقلِه الآية الكريمة منقوصة “… إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان” أيَّ ربط منطقي مع واقع الحال وإجراءات البيطار. وهذا بشرع الفقهاء ليس سوى “كلام أجنبي عن المناط (السياق)” أو ينطبق عليه ما جاء في سورة المائدة (الآية 13) “يحرِّفون الكَلم عن مواضعه”. وهو ما قد تترتب عليه كفَّارة، ويوجب حتماً اعتذاراً من أهل القانون والإختصاص.
أما استشهاد عويدات بالإنجيل “… بالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ويزاد لكم أيها السامعون”، فهو ليس أكثر من 6 و6 مكرر، ما عاد يضربُ على أوتار ولا يعزفُ أنغاماً لدى من يتذكرون أولاً ودائماً كيف طُرد الفرِّيسيون والسماسرة والصيارفة من “الهيكل”، ومطلبهم الوحيد محاسبة من اقترفوا في حق العاصمة وعشرات آلاف العائلات جريمة نكراء، ثم يريدون بغطاء القضاء أن تُنسب الى مجهول وتتولى تداعياتها شركات التأمين، وعلى الدنيا السلام.
لسنا من المتفائلين بإمكان انتظام التحقيق في “جريمة النيترات” وتنفيذ طلبات القاضي البيطار. فتجارب استعصاء المؤسسات تُنبئنا بأن المتهمين لن يكونوا في المدى المنظور وراء القضبان. لكن التخويف من الحقيقة إذا ازيح الستار عن جريمة باتت تهدد العيش المشترك ووحدة لبنان هو أفظع من فعل الارتكاب. وما قيمة ذاك العيش وتلك الوحدة إذا كان القتل متاحاً والقضاء مكبّلاً والإعلام تحت وطأة رماة القنابل والسيف منتصراً على الدماء؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى