Headlinesأخبار لبنان

موازنة “العام الثالث على الإفلاس” بريئة من “دم” الانهيار

كتب خالد أبو شقرا في صحيفة نداء الوطن: موازنة “العام الثالث على الإفلاس” بريئة من “دم” الانهيار

حضر الوزراء جلسة مناقشة مشروع الموازنة، وظلت الاصلاحات والرؤية الاقتصادية الغائبين الأكبرين عن طاولة الحكومة. على شاكلة الموازنات التي سبقتها تضمنت الموازنة عدداً كبيراً من “فرسان الموازنة “cavaliers budgétaires”، بما تمثل من مواد خارجة عن نطاق الموازنة، نصت على تعديلات ضريبية في إطار القوانين الخاصة موضع التعديل.

باختصار، “لم تأتِ الموازنة كترجمة عملية لخطة اقتصادية كما يفرض واقع لبنان الذي دخل في السنة الثالثة على إشهار إفلاسه”، يقول المحامي البروفسور في كليات الحقوق د. نصري دياب. و”من غير المنطقي استنساخ الموازنات السابقة للافلاس وتطبيقها على الواقع الاقتصادي الحالي”.

إعادة إحياء الدولة… لا تصفيتها

بعيداً من الأرقام التي قد يكون جرى تخفيضها قياساً على السنوات الماضية، فان “منطق إعداد الموازنة لم يحاكِ حالة الافلاس”، من وجهة نظر البروفسور دياب، و”بما أن إفلاس الدول يفترض إعادة إحيائها وليس تصفيتها، فانه كان يتوجب على الموازنة الأخذ في عين الاعتبار النقاط التالية:

– وضع برنامج لاعادة تنشيط الاقتصاد ووضعه على سكة النمو. وكان يمكن لمعدي الموازنة الاستلهام بتقرير “رؤية اقتصادية للبنان” الذي أعدته شركة “ماكينزي” والمنشور بقرار وزاري تحت الرقم 1369/2017.

– تصغير حجم القطاع العام على قاعدة التمييز بين القلة المنتجة والأكثرية غير المنتجة، والتي تشكل عبئاً على الموازنة من جهة، وعلى الأفراد والقطاع الخاص الذي يتحمل الضرائب من الجهة الثانية. فلا يجوز مثلاً الابقاء على الوظائف غير الشرعية التي تضخمت بعد صدور القانون رقم 46/2017 والذي حظر في مادته 21 أي شكل من أشكال التوظيف، ومعاملة أصحابها بنفس الطريقة التي يعامل فيها الموظف المثمر والذي دخل الوظيفة الرسمية عن جدارة قبل هذا التاريخ.

– عدم دفع المساعدات الاستثنائية لكل موظفي القطاع العام. ولا سيما في ظل ما فرضته الأزمة الاقتصادية والصحية المتمثلة بجائحة كوفيد 19 من تعطيل قسري ادى إلى تراجع هائل بانتاجية القطاع العام وموظفيه.

– تأجيل الرفع الحتمي للضرائب والرسوم، بانتظار تأمين إطار متكامل ووجود برنامج لاعادة إحياء الاقتصاد. ذلك أن الابقاء على نفس نسبة الضرائب والرسوم قادر على تأمين متطلبات الدولة في حال ترافق ذلك مع اعادة إحياء الدولة والنمو. أما زيادة الضرائب والرسوم في ظل الانكماش الاقتصادي وتراجع نسب النمو سيؤدي حتماً إلى تراجع العائدات حتى لو لم ترفع الضرائب. اذ ماذا ينفع على سبيل المثال الافتراضي رفع الضرائب على الشركات من 17 إلى 50 في المئة إن لم يتبق هناك من شركات لتفرض عليها هذه الضرائب؟!

تحفيز الاقتصاد أولاً

إنطلاقاً مما تقدم، يقول البروفسور دياب إن “الأولوية كان يجب أن تعطى لتحفيز الاقتصاد على النمو، وليس إرهاقه بالمزيد من الضرائب والرسوم المباشرة وغير المباشرة. فمن جهة رفع مشروع الموازنة الضرائب والرسوم الجمركية على القطاع الخاص، وترك من الجهة الأخرى معدل احتسابها على أساس سعر الصرف بشكل استنسابي بين الحكومة ووزير المالية، وهذا ما يمثل “قمة التناقض. فكيف للمكلف أن يتقاضى امواله من المصارف على سعر صرف 8000 ليرة للدولار ويسدد الضريبة على القيمة المضافة أو الجمارك أو خلافه على سعر 20 ألف ليرة للدولار”. وهذا بالضبط ما تتيحه المادة 133 من مشروع الموازنة التي تنص على “الاجازة لوزير المالية تحديد سعر تحويل للعملات الأجنبية إلى الليرة اللبنانية من أجل استيفاء الضرائب والرسوم”. فتحديد سعر الصرف الضرائبي على الأفراد والشركات بشكل مختلف عن سعر السحوبات من حسابات الدولار بالمصارف المعمول به من مصرف لبنان، والسقوف التي تفرضها المصارف على هذه السحوبات سيفقد المكلفين القدرة على تسديد الضرائب. ومن البديهي أن يكون هناك سعر موحد لسعر الصرف”.

إذا كان لا بد يوما ما من رفع نسب الضرائب والرسوم، فكان الأجدى بالحكومة انتظار انتهاء الخطة الاقتصادية ووضع صندوق النقد الدولي ملاحظاته النهائية عليها. وهو الامر الذي يحتّم على المشرع انتظار ما سيطلبه الصندوق من زيادات في الضرائب قبل “التبرع” برفعها في مشروع موازنة 2022، لئلا نقع في التكرار في ما بعد. “هذا مع العلم أن اشتراط صندوق النقد الدولي زيادة الضرائب عادة ما يكون مترافقاً مع اشتراطه تخفيض حجم القطاع العام”، برأي البروفسور دياب. و”هذا أول ما طلب من الدول المأزومة كاليونان مثلاً. حيث لم يكتف الصندوق باشتراط تصغير حجم القطاع العام كمّاً فقط، إنما أيضا تخفيض التقديمات التي تعطى لموظفيه”.

لا طعون أمام الدستوري، رغم المخالفات

المخالفات التي يتضمنها مشروع موازنة 2022 لن تشكل بحسب توقعات البعض عائقاً امام تمريره في مجلس الوزراء وحتى التصويت عليه في مجلس النواب. فالجدل الذي سيطبع المناقشات في البرلمان سيكون سياسياً أكثر منه قانونياً أو حتى اقتصادياً. ولا سيما أن الحكومة المعدة للمشروع تمثل مجلس النواب. وعليه لا ننتظر أي مفاجأة تغير المعادلة. خصوصاً بعدما فقد مجلس النواب المستقلين غير الممثلين في الحكومة والذين كانوا يقدمون الطعون أمام المجلس الدستوري”. وهذا ما شهدناه مثلاً في العام 2018 عندما تقدمت مجموعة من النواب بطعن أمام المجلس الدستوري اعتراضاً على القانون رقم 79 تاريخ 18 نيسان 2018، والمتعلق بالموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2018، والمطالبة بإبطاله جزئياً أو كلياً. وفي مقابل فقدان النواب المستقلين فان المجلس الدستوري بصفته الجهة الوحيدة القادرة على إيقاف ما يجري ليس بأفضل حال. فهو لم يستطع التوصل إلى قرار حول التعديلات على قانون الانتخابات.

أما المادة 109 من مشروع الموازنة، فيقول البروفسور دياب إنها “خطيرة لانها تمنح وزير المالية منفرداً حق تعديل الشطور والنسب المتعلقة بالضرائب والرسوم، وهذا ما يخالف المادة 82 من الدستور التي تعتبر أن مسألة الضرائب هي سيادية بامتياز وتحصر حق التعامل بها بمجلس النواب. وإذا اعتبرنا أن لمجلس النواب سلطة توكيل بعض صلاحياته للسلطة التنفيذية، فهذا يكون لصالح مجلس الوزراء مجتمعاً وليس لوزير منفرد، خاصة في مسألة سيادية كهذه”.

المواد الـ138 التي تشكل ما يعرف بـ فرسان الموازنة في مشروع موازنة 2022 لا تشكل منطلقاً للطعن من حيث مخالفتها لقانون الموازنة فحسب، إنما أيضاً لتضمنها مواد تتيح الاستنسابية ومعاملة المكلفين على قواعد مختلفة لا تحترم العدالة والمساواة. هذا بالاضافة إلى كل ما تتركه من آثار إنكماشية على الوضع الاقتصادي وتعميق الازمة.

كلمات مفتاحية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى